أبي منصور الماتريدي

150

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الكفارة ؟ ! فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق . وبه يقول على وابن عباس وابن مسعود - رضى اللّه تعالى عنهم - فيقول ابن مسعود : يلزمه حكم يمين يوم ، وابن عباس يقول : الإيلاء يمين الأبد . وذلك عندنا على إرادة الإتمام ، ولو جعله شرطا لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر ؛ فلا وجه للزيادة عليه ، وهو قول عبد اللّه بن مسعود : يلزمه بدونه . ثم اختلف الصحابة - رضى اللّه تعالى عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر ، على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي المدة ، ثم لا يجوز أن يحلف بحق الطلاق فيلزم ، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم ؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك زيادة في المدة للتربص . وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل الزيادة عليها لما جعلت له المدة ، فمثله مدة الطلاق . وهذا على أن اللّه - تعالى - حذر نقض اليمين بقوله : وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا [ النحل : 91 ] ، وأطلق في هذا أربعة أشهر ، بما روى في قراءة أبي بن كعب ، أنه

--> - الحنث ، ولهذا لو تزوجها ومضت مدة الإيلاء بعد الزواج من غير فىء وقع عليها الطلاق عند الحنفية ، وأمر بالفىء إليها أو طلاقها عند الجمهور ، وهذا بخلاف الفىء بالفعل ، فإنه يصح بعد زوال النكاح وثبوت البينونة بسبب آخر ، كالخلع أو الطلاق على مال ، فإنه بالفىء بالفعل - وإن كان محرما - يبطل الإيلاء ؛ لأنه إذا وطئها حنث في يمينه ، وبالحنث تنحل اليمين ويبطل الإيلاء ، ولكن لا ترجع المرأة إلى عصمته ، ويعتبر آثما بالوطء في عدة البينونة . هذا ، وسواء أكان الفىء بالفعل أم بالقول فإن له وقتا تختلف آراء الفقهاء فيه على الوجه الآتي : يرى الحنفية أن الفىء يكون في مدة الإيلاء ، وهي الأربعة الأشهر . فإن حصل الفىء فيها ، وكان الفىء بالفعل ، حنث الزوج في يمينه ، وانحل الإيلاء بالنسبة للطلاق ، حتى لو مضت أربعة أشهر لا تبين الزوجة . وإن حصل الفىء بالقول انحل الإيلاء في حق الطلاق ، وبقي في حق الحنث ، حتى لو فاء الزوج بالقول في المدة ، ثم قدر على الجماع بعد المدة وجامعها ، لزمته الكفارة ؛ لأن وجوب الكفارة معلّق بالحنث ، والحنث هو فعل المحلوف عليه ، والمحلوف عليه هو الجماع ؛ فلا يحصل الحنث بدونه . وإن لم يحصل الفىء في مدة الإيلاء بالفعل ولا بالقول ، وقع الطلاق بمضيها عند الحنفية كما تقدم . ويرى المالكية والشافعية والحنابلة : أن الفىء يكون قبل مضى الأربعة الأشهر ، ويكون بعدها ، إلا أنه إن حصل الفىء قبل مضى هذه المدة فالحكم كما سبق في الكلام على مذهب الحنفية ، وإن حصل الفىء بعد مضيها ارتفع الإيلاء في حق الطلاق وفي حق الحنث جميعا . وكذا إن حدد مدة في يمينه ففاء بعد مضيها . أما إن كان الفىء قبل مضيها ، فإن الزوج يحنث في يمينه ، وتلزمه كفارة اليمين إن كانت اليمين قسما ، ويلزمه ما التزمه إن لم تكن اليمين قسما ، عند من يرى صحة الإيلاء في حالتي القسم والتعليق . ومنشأ الاختلاف بين الفقهاء في ذلك يرجع إلى اختلافهم في فهم قول اللّه تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : هل الفيئة مطلوبة خارج الأربعة الأشهر أو فيها ؟ ينظر : البدائع ( 3 / 173 ) ، الشرح الكبير على حاشية الدسوقي ( 2 / 438 ) ، مغنى المحتاج ( 3 / 350 ) ، المغنى لابن قدامة ( 7 / 327 ) .